728x90 AdSpace

Latest News
Wednesday, 6 May 2015

سوء تفاهم ~ محمد بادريس ~

بعدَ أحاديثَ طالتْ سنيناً مع صديقـتِـهِ المغربيةِ مريم عبر الفايسبوك، و التي صارت فيما بعدُ عشيقتهُ، قرر عبدُ القادر أن يزورها و يخطبها من أهلِها. و في اليوم المعلومِ سافرَ مِن عين تموشنت القريبة من الحدود المغربية إلى العاصمة الجزائر ثم طارَ نحوَ مطار النواصر بالبيضاء.


image



إنهُ يشُمُّ لأولِ مرةٍ رياحاً غربِـيَّةً تأتي من الأطلسي. رَكِبَ  القطارَ المتوجهَ نحوَ مركزِ المدينة ليُقلَّهُ إلى الفُندق. ودار حِوارٌ مع أحدِ الركاب يبدو في الأربعينات.

-بِلادكم رائعَة سيدي. قال عبدُ القادر.

كيف لهُ أن يعرف أنها جميلة ؟ من بِضعةِ دقائقَ قضاها حتى الآن ؟ أم مِن الإعلام ؟ أم أنها مجرد مجاملة ؟ أو ربما كل هذهِ الأمورِ مجتمعة !

-شكراً، ردَّ الرَّجُل بابتسامة. الأخ حتماً جزائري، لقد عرفتك من لكنتِك.

-نعم من الغربِ الجزائري.

-لطالما اعتقدتُ أنَّـنا شعبٌ واحد انفصل. نحن متشابهونَ في كلِّ شيء. من يفهمُ المغربيَّ غيرَ الجزائري؟

ابتسمَ الزائرُ و ابتهج، لكنَّهُ حافظَ على هدوئِـه.

من الظَّواهر الغريبة التي تُلاحظها أن رجلاً قرب مدينة تلمسان يتكلم كأنه مكناسي أو فاسي. أما كان منطقيا أن يتكلم كالوجديين. كذلك قد تجِدَ مُصطلحاً يستخدمُهُ سكانُ الدار البيضاء و الجزائر العاصمة، لكن في المناطقِ التي تقعُ بين المدينتين تُعتبرُ كلِمةً دخيلة.

أرادَ أن يُضيفَ بعضَ التوابلِ لحِوارِهما فقال ببراءةٍ عبدُ القادر :

-بناتُكم عفيفات و طيِّبات، ماشاء الله.

هذهِ الجُملة أربكتِ الرجل . لمَ تحدَّثَ هكذا ؟ ماذا يريدُ فِعلا من فتيات المغرب ؟ ما الذي جاءَ ليفعلهُ هُنا أصلاً  ؟ شكوكٌ عصفت بتَفكيرِهِ و عبدُ القادرِ بقُـربه لم يُحِسَّ بما تمَـلَّـكَه. لقد أفسد عليهِ يومَهُ بلا قصد. و كانت تسمَعُ الحِوارَ فتاتانِ في العشرينات. وعلى عكسِ الرَّجُلِ لم تُسيئاَ فهمَ الفتى.

جَلَسَ في مقهى الفُندُقِ وكان يسمَعُ لغوَ الناسِ ولم يكن يكترِث. لكن فجأةً شدَّ انتباهَهُ حوارٌ بينَ  رجالٍ يتمازحونَ بصخب :

-إبراهيم يحبُّ الشاب خالد، قالَ أحدهم.

-الشخصُ الوحيد المحترَمُ في الجارة الشرقية، ردَّ إبراهيم.

-إسمٌ غريبٌ يسمُّـونَ بهِ مواليدهم الإناث : مامية !

-كلاَّ غيرُ صحيح. حتى الجزائريون يتعجبونَ من هذا الإسم، قال الثالث.

-مالَكَ و الجزائر، ألا تُضيِّعُ فرصةً لتذكرهُم ؟ قال الرابع. متى زرتُم الجزائر أنتم ؟

-من ذكـرهُم كمن ذكرَ الشيطان و العياذُ بالله ! شعبٌ كانَ يتدوَّرُ جوعاً ماذا كنتَ تنتظِرُ منهُ عندما يشبع ؟ قالَ الأوَّل، الحَقودُ الذي لا يفارِقُ العَبَسُ وجهَه.

صاحِبُ الفندُقِ يعرِف أن بالمقهى جزائرياً. نهَـرَهم قائلاً :- كم مرةً أخبرتُكُم ألاَّ تصْرُخوا هكذا ؟

لمْ ينزعِج عبدُ القادرِ من كلامِهِم. فلقَد سمِعَ في بلادِه أسوأَ من هذا عنِ المغرب. ولا يرى فرقاً بينَ السُّفهاء في البلدين.

و في صباح اليومِ التالي رنَّ هاتفُهُ و أخبرتْهُ مريمُ أنَّ أخاها الأكبر سيأتي لإصطحابِـهِ إلى المنزل. و عِند وصولِ الأخِ إستقلاَّ سيارةَ أُجرةٍ حمراءَ. و بحركةٍ محترمةٍ فتح الباب الأمامي، وبرقيٍّ يُـتـقِـنُـهُ المغاربةُ إذا ما أرادوا إكرامَ شخصٍ يحترِمونَهُ، خاطبَ ضيفَه: - تفضل يا سيد عبد القادر، أنتَ أولاً.

و ركِبَ هو في المقاعِدِ الخلفية.

و في الطريقِ كانَ السائِقُ غاضِباً ممَّا أسماهُ "تطفلُ النِّساءِ على القِيادة". و إن كانَ السائِقُ مصيباً في ملاحظتِهِ فلقد أخطأَ بغضبِه. ذلِك لأنَّ النساءَ و إن كنَّ أقلَّ مهارةً في السياقة، فهنَّ الأكثَرُ اتزاناً و تريُّـثاً و احتراماً للقوانين. ألا يغفر لهنَّ هذا ذاك ؟

قالَ السائقُ موجهاً كلامهُ لعبد القادر:- لم يجِدنَ رجالاً فحولاً يوقفهنَّ عند حدِّهن ! هذه الجملة سمِعناها مراراً حتى أنَّ بعضَ النساءِ أحببنها و أيَّدنها كأنهُنَّ مصاباتٍ بالماسوشية.

نظر إلى كفَّيْ عبد القادر ولم تكن له أدنى فكرةِ عن جنسيَّـتِهِ. و قال مازحاً و لم تكن نيَّـتُـه خبيثة :

-هذا الفتى مثلاً، هل بِهاتَـيْـنِ اليَـدَيْـنِ سيحمِلُ بُندقيةً ويدافعَ عن الصحراء ؟

إضطربَ عبد القادر عند سماع هذا الكلام و تجمدَ الدَّمُ في عروقِه. مَن عدوُّ مغربيةِ الصحراءِ غيرُ الجزائر ؟ مَن غيرُ إعلامِ الجزائر يصِفُ بلداً عريقاً، كان أضعافُ أضعافِ أرضِهِ اليومَ تابعةً لمَن كانَ يجلسُ على العرشِ من أحفادِ مولاي علي الشريف أو الذينَ قبلهم، بأنهُ مُستعمِر ؟ من غيرُ هذا الإعلامِ لا يكادُ يمرُّ يومٌ واحدٌ دون الخوضِ في الوحدةِ الترابية للمملكة ؟ 

غـيَّـرَ  السائق الموضوعَ بعد أن شعَرَ بشيءٍ غريبٍ في سلوكِ عبد القادر، و ظنَّ أنَّ كلامه عن قوَّتِهِ الجسدية هو ما أزعجَه. لو علِمَ أنَّه جزائريٌّ لما تحدَّثَ هكذا.

وصلَ عبد القادر لمنزلِ محبوبته و سلَّمَ عل أبيها و أمِّها. و بينما يشربونَ الشاي، كانت إحدى القنوات الإخبارية تتكلَّمُ عن علاقة المغربِ بالجزائر. و تبادلَ عروساَ المستقبل النظرات و ابتسماَ. لقد تكلما عن هذا سابقاً ولا يوجد سوءُ تفاهُمٍ بينهُما. إذ يعتبر عبد  القادر قضيةَ الصحراء قضية مغربية داخلية. وترى مريمُ أنَّ  الموقِفَ الرسميَّ للجزائرِ لا يعبِّرُ عن رأي الشعب. أماَّ الصحراء الشرقية، فترى مريمُ أنهُ مادامَت إمكانيةُ بناءِ إتحادٍ قويٍّ بين الدولتَين مُمكِناً فلا داعيَ لإثارة نعراتٍ قديمة. وأُسْوَتُها في ذلك الصراع القديم بينَ ألمانيا و فرنسا على منطقة ألزاس.

 و في وسطِ الهرجِ و المرج وجدَ زوجا المستقبل طريقهما للتناغم و التفاهم في السياسةِ على الأقل. ماذا عن علاقتِهِما الشَّخصيَّة ؟ لا يعلَمُ الغيبَ إلاَّ الله.
  • Blogger Comments
  • Facebook Comments

0 comments:

Post a Comment

Item Reviewed: سوء تفاهم ~ محمد بادريس ~ Rating: 5 Reviewed By: Rifsite