في غرفة إحدى المستشفيات الخالية من كل شيء عدا سريره الذي يتوسطها وبعض الأجهزة الطبية الموصولة به والمتناثرة حوله، وكنبة سوداء يجلس عليها زواره، وقارورة اوكسجين تساعده على استكمال ما بقي له في الوجود من هواء، شخص بصره ووهن جسده وضعف قلبه، وأصبحت ساعاته معدودة يمضيها محلقا بأفكاره بعيدا، حيث ماضيه الغارق في القدم، تخيله كتابا قلّب صفحاته كيف شاء، كتاب كان جزء منه، وكل العالمين من حوله شخوص جمعته ببعضهم أدوار أجاد بعضها وفشل في أداء بعضها الآخر، تذكر حياته كيف عاشها وأوقاته كيف صرفها، تذكر كل شيء وأي شيء، كأن ما عاشه من سنوات اختزل في لحظات، دمعت عيناه وتمنى بصدق في قرارة نفسه لو وهبه الله مزيدا من العمر ليعيشه بطريقة أخرى غير تلك التي عاش بها عمره الماضي، تمنى لو كانت له عزيمة أقوى ليحقق بها أحلامه، وتمنى أيضا لو أنه قرأ أكثر مما قرأ وتكلم أقل مما تكلم، ولو أنه عمل بجد أكبر وسهر في سبيل تحقيق أهدافه ليال أطول، تمنى لو أنه أحب الجميع بغض النظر عن أشكالهم وممتلكاتهم، ولو أن لحظات غضبه كانت صمتا، وحقده كان كالدخان يختفي ما إن يصل عنان السماء، تمنى لو أن باستطاعته ان يصرخ بأعلى صوته ويخبر العالمين أن الحياة حقيرة فلا يشغلوها بالحسد والغيرة والسعي وراء الماديات بأنفس دليلة، ويقول لهم هلا انتهيتم من تفاهاتكم؟ هلا أدركتم حجم الغبن الفادح الواقع عليكم؟ وليقول لهم أيضا "كلكم رائعون ومميزون أنتم كما أنتم بشكلكم وبصفاتكم"، وأنه يحبهم جميعا بدون استثناء،
(لم تسعفه أيامه الطويلة التي قضاها هائما على وجهه في أرض الله الواسعة ليعلم ما علم اليوم وهو كالجماد على سرير الموت، فالحياة وإن طالت عليك فلا بد لها من يوم تباغتك فيه على حين غرة، ولن تجد الفرصة حينها لترتب الفوضى التي غرقت فيها على مدى سنوات، فاعلم رعاك الله أن كل الوقت مناسب لتعد فيه العدة، فلا تسرف على نفسك، ولا تمل معها كل الميل فتدرها كالمعلقة بين أمرين أحلاهما مر.)

لم يخبرنا بما خالج صدره واعتمر قلبه، ولم يتدارك ما فرط فيه في جنب الله، فمات ولم يسمع صوته، على سريره وحيدا عاريا من كل شيء.
(لم تسعفه أيامه الطويلة التي قضاها هائما على وجهه في أرض الله الواسعة ليعلم ما علم اليوم وهو كالجماد على سرير الموت، فالحياة وإن طالت عليك فلا بد لها من يوم تباغتك فيه على حين غرة، ولن تجد الفرصة حينها لترتب الفوضى التي غرقت فيها على مدى سنوات، فاعلم رعاك الله أن كل الوقت مناسب لتعد فيه العدة، فلا تسرف على نفسك، ولا تمل معها كل الميل فتدرها كالمعلقة بين أمرين أحلاهما مر.)
لم يخبرنا بما خالج صدره واعتمر قلبه، ولم يتدارك ما فرط فيه في جنب الله، فمات ولم يسمع صوته، على سريره وحيدا عاريا من كل شيء.
0 comments:
Post a Comment